الشيخ محمد هادي معرفة

309

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

صفات المشبّه به ، وهو الحصد ، مضافة إلى الألسنة ، دليلًا على ذاك التشبيه . وهو من الاستعارة التخييلية ( المكنّى عنها ) - في مصطلحهم - وكان ذكر صفة الحصاد ترشيحا ، لأنّه قرَن مع المشبّه مايلائم المشبّه به . أو أنّه صلى الله عليه وآله شبّه فضول الكلام بحصائد يحصدها الزارع بمنجله ، فيكون ذلك مبلغ انتفاعه في النهاية إن شرّا حصد أو خيرا . وهذا من الاستعارة المصرّح بها ( لأنّه ذكر المشبّه به وطوى ذكر المشبّه ) ثمّ قرنه بما يلائم المشبّه ، وهو اللسان ، فكان تجريدا أيضا . وعلى أيّة حال فهذا من بليغ الكلام وبديعه ، إمّا استعارة تخييلية وترشيح ، أو مصرّح بها وتجريد . وليس من التشبيه المضمر الأداة ، كما زعمه ابن الأثير . قال ابن‌الأثير : والرابع : يرد على وجه الفعل والفاعل ، كما في قوله تعالى : « وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ » . « 1 » قال : وتقدير أداة التشيبه في هذا الموضع أن يقال : هم في إيمانهم كالمتبوّئي دارا ، أَي أنّهم قد اتّخذوا الإيمان مسكنا يسكنونه ، يصف بذلك تمكّنهم منه . قال : وهذا القسم الرابع والقسم الخامس الآتي هما أشكل الأقسام في تقدير أداة التشبيه ، فإنّهما لايتفطّن لهما أنّهما تشبيه . لكنّ الآية - على خلاف ما زعمه - استعارة ومن ألطف أنواعها بأن جعل الإيمان باللّه من أأمن المواطن يأوي إليه المؤمن بسلام . قال الشريف الرضي : وهذه الآية استعارة ، لأنّ تبوّء الدار هو استيطانها والتمكّن فيها ، ولا يصحّ حمل ذلك على حقيقته في الإيمان ، فلابدّ إذن من حمله على المجاز والاتّساع ، فيكون المعنى أنّهم استقرّوا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان . وهذا من صميم البلاغة ولباب الفصاحة ، وقد زاد اللفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا ، ألا ترى كم بين قولنا : استقرّوا في الإيمان ، وبين قولنا : تبوّأوا الإيمان . وأنا أقول أبدا : إنّ الألفاظ خدم للمعاني لأنّها تعمل في تحسين معارضها وتنميق مطالعها . « 2 »

--> ( 1 ) - الحشر 9 : 59 . ( 2 ) - تلخيص البيان في مجازات القرآن ، ص 244 .